جامعات تدفع، ومصانع تبلع


لو نقيم إحصاء ومقارنة سريعة عمن يمتلك قدرة توظيف غيره في سوق العمل، احترافيا ومهنيا، أهو الأكاديمي الجامعي، أم سواه ممّن يمتلك المبادرة والمخاطرة وإن لم يكن أكاديميا؛ بعد تأمل ونظر ندرك أن الغالبية الساحقة من الموظَّفين أكاديميون، وأن من يوظِّفهم، ويستأجرهم، يقع غالبا، في خانة مَنْ لم يكمل مساره الأكاديمي أو التعليمي ابتداءً…
إن هذه المقدمة قد استنتج منها البعض نتيجةً خاطئةً؛ وهي أن « المعرفة » و »العلم » لا يُغنيان الإنسان شيئا؛ بل الأهم والأمثل ألا يسلك الإنسان الطريق الأكاديمي الطويلة الغبية ويستبْدِله بمجموعة من القواعد السريعة في فنّ القيادة، والتي تقدَّم في وجْبات خفيفة اسمها « التنمية البشرية »؛ وبهذه المغالطة المنطقية، والاختزال الفكري نكون كمن أراد الفرار من معضلة فوقع في ورطة
إن النمط الأكاديمي (السكولاستيكي) الذي تلقَّفَنا من بيوتنا الدافئة وحلقات السمر العائلية في سنٍّ مبكِّرة، وانتزعَنا من « حلقات الدرس » في « القرويين »، و »الأندلس »، و »الزيتونة »، و »الأزهر »…، وحبَسَنا عن اللعب، والتأمل، والتجربة الإنسانية بصوابها وخطئها؛ لا يريد منا إلا أن نكون قطعة غيار في مصنع، أو مسنّنا في آلة ميكانيكية عملاقة، أو رقْما مهملا ضمن قطيع أنعام لا يسأل عن الوجْهة والمعنى بل كل ما عليه أن يطأطأ رأسه بحثا عن الكلأ ليواصل معركة الحياة…
يؤْسِفُني أن النمط الأكاديمي الصناعي الغربي اضطرّ أغلب الباحثين الذين يدْفعهم من رحِمِ الجامعة، يخيرهم بين خيارين « ثالثهما مرفوع »؛ فإمّا أن يكونوا طالبي وظيفة جامعية أو طلاب منصبٍ ضمْن فريق بحث، وكلُّ ما عليهم أن يُبْرزوا مفاتنهم الأكاديمية العلمية ليغووا بها رجل الاقتصاد والمال والأعمال، أو أن يخطبوا ودّ رجل السياسة ويكونوا دولابا يحرّكه أنّى أراد، وحيثُما شاء… فجعلوا بذلك النزوة السياسية والرغبة الاقتصادية حكما على المعرفة، ومعيارا ضابطا لها… في حين أن العلم ينبغي أن يتمتع بالمرجعية ومصدرية القول في أي مجتمع إنساني أراد الخلاص والانعتاق.
إنّ « نمط المعرفة » الذي يُنتجه الباحث خدمةً للمصانع، أو دفعًا لدواليب السياسةِ لا يُمْكِنُه أن يكون لحظة « انعطاف » في تاريخ المعرفة الإنسانية، وليس بوُسْعه أن يرسُم تحوُّلا معرفيا في تاريخ البشر مثْلما فعلت العقول الفذّة في تاريخ البشرية من كلِّ قوم: من جنس: « سو سونغ » و »شين غوا »، أو « سبينوزا » و »ديكارت »، أو « ابن الهيثم » و »ابن خلدون »، أو « روجر باكون » و »دافيد ريكاردو »، أو « فريديريش هيجل » و »ماكس فيبر »
لقد تحوّلت المعرفة، والنظريات، والنماذج المعرفية التي كان ينسجها المثقفون إلى مجرد أكوام من الوريقات البحثية، وركام من التقارير التقنية التي تقترح على « الاقتصادي » شحن آلته المالية، وتدفع السياسي إلى شحْذ هيمنته؛ ولذلك تجد أنّ الخبراء الاقتصاديين يعتقدون أن الاقتصاد الأمريكي هو أكثر الاقتصادات فعالية بالنظر إلى الربح النقي الذي يحققه؛ ولو أنهم ارتقوا إلى مرتبة العلماء لما سهوا، خلال هذا التقييم، عن أرقام المشردين المتصاعدة في المجتمع الأمريكي بمجرد فقدانهم مناصبهم الوظيفية في الشركات الاقتصادية العملاقة.
وبهذا شحب مفهوم « العالِم » وانسحب من معجمنا اليوم لصالح التقني والخبير، فانطفأت بذلك قناديل العلماء، وتسرب الحبر من محابر الفقهاء، وغدا العلم بضاعة في سوق اسمها « سوبيرات المعرفة »
ولا أدلّ على هذا اختبارات الانضمام إلى الجامعات تلك، التي تعقد لاختيار النجباء في كل دفعة جامعية؛ وهي امتحانات لا تسْألهم إلا عن الكفاءة الرياضية والذهنية (IQ)، وكأنها تخاطب حواسيب باردة جامدة، ولا يهمها أن تتحسس قدُرات الخيال عندهم، وملكات الأدب وسلاسة اللفظ في ألسنتهم، ولا يثير فضولها أن تعرف موقف طلابها من الخير، والعدل، والرحمة، أو تفحص استعدادهم لمواجهة الشر، والظلم، والطغيان… ولعل أبلغ تعبير تهكمي لهذا النمط التعليمي ما قاله عمر أكتوف يوما: إن هذه الامتحانات خاصة بالعقول التقنية، ولو ترشح علماء من أمثال: « ستيوارت ميل »، و »ديكارت »… فأنا متأكد بأنهم سيخفقون في الالتحاق بالجامعات.
وإن أردتَ أن تتأكد بنفسك من تدني المعرفة المتكاملة لصالح المعلومة المفتتة، فامتحن أحد أقربائك من الطلبة الجامعيين الألمعيين بعد أن أمضى عشر سنوات على الأقل في دراسة الجغرافيا؛ واسأله أن يكتب أسماء عدد من الدول الأفريقية على خريطة بيضاء؟ فإنك ستصعق، لا محالة، بأجوبته التي يمكننا أن نعُدّها، ببساطة، جرائم (معرفية) في حق البشرية
إنّ الخروج على هذا النمط من المعرفة، والتمرُّد على هذه السبيل ممكن؛ لكنّ تجاوزَه ليس منوطا بقدرات ذهنية فذة أو ملكات عقلية عبقرية؛ فهو قرار نفسي وقلبي بامْتِياز، وتكلُفته في المستوى النفسي تُناظِر حال مَنْ يُخيَّر أن يقف لصف النظام السياسي المهيْمِن فتُفتح له الدواوين والخزائن، أو يختار المعارضة السياسية فيتحمَّل بذلك تبعات الغربة والاضطهاد بحثا عن إمكان جديد، ونموذج وبرادايم بديل
المخرج ليس بالفرار من الجامعة، وليس الهروب من المصنع، لأن المشكلة الحقيقية لا تكمن فيهما ابتداء، لكن الحل يولد من تأسيس قواعد لعبة جديدة، ونظام حياة بديل: يجعل العلم حكما على الجامعة، والجامعة قرينة الجامع، والمصنع والمتجر والمخبر كلها محاضن للتنشئة، ومواقع لتحصيل أعلى قدر من المال الحلال النافع؛ هذا هو الامتحان والرهان

fingeroxy10

Catégories :New

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :