« طارق رمضان »: السجن أحبُّ إليّ


« يقبع في زنزانته دون محاكمة، وقبل أي مساءلة قانونية، وهو يعاني من مرض عضال خطير منذ أزيد من سنتين، مع منعه من الزيارة العائلية، والعناية الطبية بعد تدهوُر حالته الصحّية » لو سمعت هذا الخبر عبر وسائل الإعلام، أو بلغك خبرًا عاجلا فإنك ستجزم أنّ المتحدث يقصد بلدا عربيا خبيرا في الديكتاتورية أو دولة أمنية بوليسية في كوكب المريخ، وأنّ طبيعة الاعتقال سياسية مصلحية بكل تأكيد؛ والمفاجأة مدوية حين تكتشف أن البلد المعني بهذا الخبر اسمه: « فرنسا »، وأن السجين والمعتقل موضوع الحدث اسمه: « طارق رمضان »
في هذه اللحظات التي نخطُّ فيها هذه الأسطر؛ لم نعُد نتحدّث عن مُتَّهم في قضية « اغتصاب »؛ إما أن تكون « مؤسَّسة » من الناحية القانونية، أو « باطلة » لا أساس لها من الصحة؛ بل نحن اليوم أمام عملية « فكرية-إعلامية-قانونية ممنهجة » هدفها الوحيد أن تنتقم لنفسها من شخص اسمه « طارق رمضان » أولا، وأن تخنق رؤية فكرية في مهدها، وتغتال جنينا في رحمه، وتئد مشروعا اسمه: الحضور الإسلامي في الغرب.
« طارق رمضان » ليس اسما لشخص إنما هو عنوان لتيار فكري، ولافتة لحضور إسلامي مختلف في السياق الغربي، فهذا الفعل الاستفزازي يرمي إلى هدفين جوهريين: الدفع بكل الوسائل إلى الانهيار النفسي والمعنوي والعاطفي لشخص « البروفيسور طارق »، لكن الهدف الأخطر منه: هو أن يُدفع الشباب الذين التفوا حول فكْره، وهالة الوعْي التي أوْقدها بمؤلفاته وحواراته إلى التطرف، والعنف، ومستنقعات الكراهية لكل ما هو غربي، وإن تحقق هذا فقد نجح المخططون لهذه الحملة في رهانهم…
لا خوف على الأستاذ « طارق » من هذا لأنه يعرف فاتورة هذه الطريق التي سلكها منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، لكن التحدي الأكبر في أن يتمالك أولئك الفتية والفتيات الفرنسيون والأوربيون مِنْ حوله عاطفتهم، وأن يؤطروها بنور العقل، ويلجموا ردود أفعالهم بدبلوماسية الوحي القرآني.
« العلمانية الفرنسية » مصرّة على أنّ المسلمين في ضواحيها وحواضرها أحد قسْمين؛ إما مسلمٌ متديّن ملتزم لكنّه محدود الأفق، يعيش في غيتوهات مغلّقة، وجغرافيات محدودة؛ حفاظا على دينه من الحداثة، والعلمانية، والتغريب… أمّا المسلم الثاني فآثر الانْسلاخ عن دينه وعقيدته لعله يحشر في زمرة الفرنسيين الغربيين…
« فالعلمانية الفرنسية » تخيّر المسلمين الذي يدقُّون أبوابها بين أن يضحّوا بدينهم من أجل التأقلم مع « السياق الغربي » فيلقَّبُوا بالتقدميين الحداثيين، أو أن يضحوا بهويتهم الأوربية وثقافتهم الغربية لأن إسلامهم قاتل لمعاني الديموقراطية، والحرية، والحق في الاختلاف، والنضج الفكري… لكن « طارق رمضان » في فكره ومع إخوانه؛ يرفض هذا الاختزال، ويمقت هذا التمييز الديني الناعم؛ ويدافع عن أن الإنسان يمكنه أن يحيا أوربيته دون أن يضحّي بإسلامه، ويمكنه أن يكون مؤمنا مخلِصا دون أن يتخلّص من شخصيته الأوربيّة ولسانه الأعجمي المبين… وهذا الموقف الفكري لطارق رمضان يمسيه أعداؤه، وأبواق الإعلام بكل حمق وسفه: « ازدواجية الخطاب » (Le Double Discours)؛ لأنه ببساطة مخطط مركب ثنائي البعد (الدين والدنيا)، لا رؤية مختزلة مفتتة أحادية النظرة كما يشتهون (إما الكنيسة وإما قيصر).
المؤسف فيما نقرأه ونسمعه على حواف هذا الاتهام والاعتقال: أنّ بعض المسلمين اليوم وبعض أئمتهم يحتفون بهذا الإفك الذي لم يدْعمه إلى حد اللحظة دليل، ويحتفلون بالتغريدة تارة، والولولة تارة أخرى، وهم سعداء مسرورون بأخيهم يُصلب على الأشهاد، ويُلتهم عرضه كما تُقضم الفريسة، ويتداعى على حُرمته الغِرْبان كما تتداعى الأكَلَة على قصْعتها…
إن مسألة متأزمة ساخنة لا يمكن البت فيها، ولا الفصل في تفاصيلها، لكن قواعدا كلية، ومعايير مرشدة، على ضوء نموذج الرشد، في هذه اللحظة: هي صمام الأمان، والجسر الذي نعبر فوقه باطْمئنان في لحظات الاضطراب: فهي التي توطّن النفس على ملازمة الحق، وتربط القلب على تبيُّن الحقيقة، وتأدب العاطفة والنفس بزمام الفطنة واليقظة: ومنها
أولا: أن الحق لمحاكمة عادلة حق لكل إنسان، وأن إثْبات التهمة من دون دليل مادي قطْعي جُرْم في حق الإنسانية، وجريمة نكراء ضد البشرية
ثانيا: أن الخوض في العرض دون دليل يعضده؛ يورّث صاحبه النار خالدا مخلَّدا فيها سواء صدَر من داعية، أو واعظ، أو إمام، أو إعلامي لأن ميزان القسط عند رب العالمين لا يعلو عنه إنس، ولا يعفى منه إنسان.
ثالثا: أن هذا الحملة الإعلامية الشرسة هدفها أن تجعل أولئك الذين يرابطون في طريق الاعتدال والتوازن والاتزان يتساقطون عنه مثلما تتساقط أوراق الخريف؛ والجهاد الأكبر في هذه اللحظة هو المرابطة على الكلمة الهادفة، والرد القانوني الفعال، والكتابة الفكرية بعيدا عن الوقوع في ردود الأفعال، والنزوع إلى الانفعال
رابعا: إن المراد من هذا الفعل أن ينكص المسلمون في الغرب على أعقابهم وأن يرتدوا عن الإيمان بعد أن ثبتهم الله أمام كل الفتن الخارجية، وأن يعودوا طائفيين باسم الشيخ والمشيخة، والفريق والفرقة، وأن يرتدوا على أعقابهم جزرا متشنجة، وأعداء ينهش بعضهم لحوم بعض؛ فنحن ندعوهم أن يتراصوا قلبا واحدا، وعقلا متآلفا مهما عصفت بهم المحن والإحن
خامسا: إن الحق في هذا العصر عريان من القوة، مسلوب الحماية والرعاية إلا من رب العالمين؛ فلتكن هذه لحظات تضرع إلى الله أن ينفذ إرادته، وأن يمحض الحق والحقيقة ناصعة أمام الأعين بعد أن محص المؤمنين وابتلاهم

Catégories :New

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :