حوار حصري مع « العلامة ابن خلدون »: حول التربية والتعليم


غرقتُ في سِفْر « ابن خلدون » وأفكاره، وعرجت، معه، في سَفَره ومشاهداته، فغفوتُ، إثرها، في سِنة أشبه باليقظة، وشهدتُ حوارا وسجالا فكريا لا يطيقه النَؤُوم، ورأيتُ فيما يرى « النائمُ-اليقِظُ » ما يلي:

لاقيت، عرَضا، رجُلا معمَّما في أزقة المغرب الإسلامي يتجوّل، وفي حالنا واجتماعنا يتفكّر ويتأمّل، اقتربتُ منه فإذا بملامح العلامة « ابن خلدون » تشْخَص أمامي وتتراءى، وإذا بسَحْنته البهيّة الوقورة تُسْفِر وتُبْلِج؛ عاجلتُه بالكلام قبل السلام، واستعجلتُه بالسؤال قبل الترحيب والترحاب…

كلمتُه؛ لكنه بادرني قائلا: كم كانتْ رحبةً أرضُنا، ومنشرحٌ صدرُ أوطاننا؛ وكم كانت جميلةً بَوادينا قبل حواضِرنا، أما اليوم، بنيّ، فكم هي كئيبة جغرافيتُكم، وكم هي مـُمِلَّةٌ قُطْريّاتكم، وكم هي مضحكة مبْكية جوازاتكم، وخرائطكم، وطوابيركم الطويلة في « طبرقة » و »عنابة » عند تلك السُدود (يقصد الحدود الجمركية) …

لقد تركتم المستعمر يعبث بأفكاركم، وحين أسلمْتُمُوه جغرافيّتكم: مكَّنْتُمُوهُ سيادتَكم وتسيُّدَكم: فَرَسَم، كيف يشاء، خرائطكم، وعبث بعُمرانكم، وعدّل جيناتكم، وقدّم لكم العدوَّ صديقا، والصديقَ عدوًّا…

اعلم بني؛ أنني حين رسمتُ خريطة المغرب الإسلامي، قبل ستمائة سنة ويزيد؛ خططْتُها وشيجة متآلفة، وتركتُها رحما ولودا: إنني حين وافتني المنية، بنيّ، لم أكن أنا: « تونسيا »؛ كما أن جدّك الأكبر، يومها، لم يكُنْ « جزائريا »… لقد كنتُ مرتبطا بالتربة، لكنني لم أكُنْ لأخلد إلى الأرض والتراب… فأَصْلي ونسبي من « حضرموت » عجينتُه، وفي « تونس » مشربُه، وفي « تلمسان » و »بسكرة » آلُه وجيرتُه، وفي « إشبيلية » منارتُه، و »بالأزهر » و »القاهرة »: منتهاهُ ومستقرُّه…

سيّدي وأستاذي؛ بعْد إذنك: فإنني اليوْم بِتُّ قلقا على « المدْرسة » و »البيداغوجيا »، قبل « التاريخ »، و »العصبيّة »، و »الجغرافيا »؟!

سؤالك ينم عن غَبش في بصيرتك، ووهٍن في تصوراتك؛ فنحن لم نعرف بيداغوجية إلا الجغرافيا؛ إن « الجغرافيا » ليست مكانا مجتثا من الزمان كما تعلِّمونها، اليوم، لأبنائكم، وليست فنا أصمَّ يُعنى بالتضاريس، والتلال، والجبال، والسهول…؛ بعيدا عن حال النفس الإنسانية التي تسلك تلك البلاد والوهاد…

ألا ترى أنّ إنسان « الإستبْس » و »الرعْي » له مزاجه وتركيبتُه، أما « إنسان السهْل » و »الزرْع » فله ذهنيّته وأفكاره؛ فحين تحيَى في « البادية » تصير أكثر إقْداما؛ لكنك تغْدو أكْثر تهوُّرًا… وحين تحيى معيشة « الحضَر » تكون أكثر انتظاما واجتماعا؛ لكنك تصير أكثر رفاهيةً وجُبْنًا… هكذا نحن نأخذ درس الجغرافيا: تربية، وتحمّلا، وسفَرا… أما أنتم، يا بني، فتلتهمونها أكلة خفيفة، ومحفوظة فجَّةً لا تغْني جاهلا، ولا تسْمن جائعا…

فلا تقْلقْ على المدرسة إن كانت منفتحة على البوادي والحواضر، ورحالةً عبر السفوح والهضاب، واستبْشر بحالها إن كان أبناؤها يسافرون في أسْفار التاريخ والجغرافيا، ولا يتخَمُون بمقررات البيداغوجيا…، وفاخر بمدارسكم إن كانت حجرات الدرس فيها: محاضن للسقي والزرع، وأقساما للغرس والبذار، أين يحلب التلميذ شاته، ويقلِّم نخلته، ويشجِّر ربْعَه…؛ أما إن حُرِم أبناؤكم من أن يمتطوا جوادا، ويركبوا حمارا، ويبيتوا ليلة في عراء، ويسلكوا واديا أو هضابا…؛ فاعلم أنهم لن يصلحوا إلا آلاتٍ للمصانع، ومساميرَ وخشباتٍ في آبار البترول، وأوتادا في الموانئ والمرافئ… لأنهم قد سُلِبُوا البيداغوجيا حين حُرِمُوا الجغرافيا…

ماذا عن حال المربي والمعلم بين أهله وقومه؛ أكان عندكم مكرّما أم مُهانا؟ وما موقعه عند اجتماع البشر؟

حال المعلِّم في المجتمع، بنيّ، معيارُ تحضُّرِ البلد أو تخلُّفِه، فحين تجد المعلِّم مستضعَفا؛ فاعْلم بأن القوم متخلِّفون متعثِّرون، وأين ألفيتَ المربّي عزيزا كريما؛ فتيقّن أنّ البلد وأهْله في سباق الحضارة حاضرون، وفي سجال الأمم مُنازِلون؛ فكم من حقبة شهدها المسلمون والمعلِّم بين أظهرهم: «مستضْعف، مسكين، منْقطع الجذم…»[1]، وغدا التعليم عند هؤلاء السذّج الغفْل: «حرفةً للمعاش؛ وشمخت أنوف الـمتْرفين وأهلِ السُلطان عن التصدِّي للتعليم، واختصّ انتحالُه بالمستضْعفين، وصار منتحِلُه محتقَرا عند أهل العصبية…»[2].

فإن رفعْتَ قدْر « المعلّم » دُربة، وعلما، وكرامة: استقام أمر اجْتماعكم، وانتظمتْ حالُكم؛ أما إن تواطأ القوم وتداولوا على استضْعافه، وإنهاكه: غدوتُم مطيةً للأُمم، وموْطِئا لأقْدامهم، وذيْلا في عِدادِهم وتِعْدادهم…

ماذا عن المتعلمين اليوم، وتحصيل الفنون والعلوم؟ أهي تحصُل بالحافظة أم بالنباهة، والملَكة، والفهْم؟

بنيّ؛ اعْلم أنّ العلم وتحصيلَه يتحقق للمرء؛ «بالملَكة في الإحاطة بكلياته ومبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله»[3]، أما ترديد المعلوم، واجْتِرار اللّفظ والكَلِم ليس إلا تحصيلا للحاصل، ودُوارا لا يبرح المكان، وجعجعة لا تُنْتِجُ الإمكان…

حريٌّ بنا، بنيَّ، ألّا نترك « العلم » صنْعة لأهْل الـمعاش[4]، فتعْليم الخلْق إنما هو: بلاغٌ، وبيانٌ، واستنهاضٌ للهمم والأنفُس… فانحُ هذه السبيل، ولا تبْرحْ هذه الطريق تكُن فقيهًا، وإن جانبْتَه وجافيْتَه صرْتَ ذا عقل كسول: ينأى عن التفكُّر، ويستدْبر التأمّل، ويستبْطئ العمل…

أفقتُ من غفوتي، واستفقْتُ من سِنَتي؛ لا أجد « ابن خلدون » وعمامته؛ لكنّ طيف كلماته لا زال يملأ صدْري انشراحا، ويستفزّ عقلي تبصّرا واستبْصارا…؛ وأجد وصاياه رسالةً لجيل كونيٍّ آتٍ بإذنه تعالى…


[1] عبد الرحمن بن خلدون: العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (المقدمة)؛ ص: 41.

[2] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر؛ ص: 40.

[3] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر؛ ص: 401.

[4] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر؛ ص: 42

Catégories :New

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

w

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :