لاتقتل العالم في طفلك


لا تقتل العالِم في طفلك ».. رسالةٌ يوجهها عالِم الفيزياء الفلكية الأمريكي نيل ديجراس تايسون للآباء، يحذر فيها من الأساليب التقليدية في التعاطي مع الأطفال وتعليمهم وتربيتهم، القائمة على ثقافة المنع والقواعد الصارمة التي تفرض قيودًا على عقل الطفل المليء بالفضول.

وقال تايسون في مقطع فيديو تناقله الجمهور حديثًا في مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة «يولد الأطفال علماء، دائمًا يحومون حول الصخور وينزعون الأزهار، دائمًا يفعلون أشياء تخريبية؛ وبهذه الطريقة تُكتشَف الأمور، يفككون الأشياء على الرغم من عدم معرفتهم بكيفية إعادتها كما كانت. العلماء البالغون أطفال لا يكبرون أبدًا، هذا ما يفعله العالِم البالغ»

وأضاف إن «ما يحدث في المنزل هو أن الطفل يفتح الثلاجة ويبدأ بالعبث واللعب بالبيضة، ورد الفعل البديهي التقليدي للوالدَين عادًة هو إصدار أوامر للطفل بالتوقف عن العبث بالبيضة مخافة كسرها مطالبين بإعادتها إلى مكانها، حارمين الطفل من انخراطه في تجربة عملية حول قوة المادة.»

وتابع «دع الطفل يكتشف بنفسه أن وقوع البيضة سيؤدي لانكسارها، إنها تجربة فيزيائية يخوضها ستتحول إلى تجربة بيولوجية، وبعد خروج الصفار اللزج تخبره أنه كان سيتحول يومًا ما إلى دجاجة، إنه علم الأحياء… من الرائع أن يكتشفه الطفل بنفسه.»

ونبه تايسون -الذي يعمل حاليًا باحثًا في قسم الفيزياء الفلكية في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي ومديرًا للقبة السماوية (هايدن) التابعة للمتحف- إلى غياب التربية العلمية السليمة للأطفال في المنازل، وعدم تقدير الآباءٍ والأمهاتٍ لقيمة غريزة الفضول لدى أطفالهم، مفضلين بقاء منازلهم نظيفة ومنظمة.

وأشار تايسون -البالغ من العمر 60 عامًا- إلى أن امتعاض الأهالي من عبث الأطفال بأواني المطبخ وهم يطبّلون عليها، يتسبب في «تدمير تجربة بحثية كاملة عن الأصوات.»

واختتم تايسون -الكاتب والمقدم لعديدٍ من البرامج العلمية- حديثه، بأنه ليس قلقًا على مستقبل الأطفال، وأن زرع العلوم في الطفل مرهون بترك الطفل على سجيته دون موانع وقيود تحد من ممارسته لطفولته وفضوله؛ قائلًا: «يتساءل البعض ما الذي يجب فعله لجعل الأطفال يهتمون بالعلوم؟ إنهم مهتمون بالعلوم فعلًا، الأهل هم المشكلة، الأطفال سيكونون على ما يرام، فقط دع طفلك يمارس طفولته.»

لا تُحِط طفلك بهالة من الحماية

ويشير كثير من التربويين إلى أن الرعاية والحماية الزائدة عن حدها طوال الوقت، تحد من قدرات الطفل وتقتل استقلاليته، مطالبين بمنحه مساحة من الحرية يتعلم من خلالها بعيدًا عن التعليم التقليدي القائم على التلقين.

وخلال العقود الأخيرة انكمشت مساحات استقلالية الأطفال، وتؤكد دراسات متخصصة على أن حوالي ثلثي طلاب المدارس في الولايات المتحدة حرموا من الذهاب إلى مدارسهم سيرًا على الأقدام، وكذلك انخفضت مدة اللعب الحُر الأسبوعية، وتحول كثير من الأطفال إلى الجلوس أمام شاشات التلفاز والحاسوب والهاتف الذكي، عوضًا عن اللعب التقليدي في الحدائق والملاعب وباحات المنازل.

ويبدي كثير من الأهالي ارتياحهم للتحول الأخير، غير عابئين بنتائجه العكسية على إدراك الطفل وشغفه بالاكتشاف.

ضرورة اللعب الحر

وتؤكد الباحثة والكاتبة فضيلة عرفات على ضرورة انخراط الأطفال في اللعب الحر، فمن خلاله يتمكنون من «الاستقصاء والاكتشاف، مثل اختبار بعض النظريات، والتعرف إلى الأشكال والألوان، واكتشاف السبب والتأثير والعلاقات الاجتماعية والقيم العائلية.»

وتقول عرفات إن «اللعب وسيلة لإعداد الطفل للحياة المستقبلية ونشاط حر وموجه، وهو يأخذ شكل حركة أو عمل يمارس فرديًا أو جماعيًا، ويستغل طاقة الجسم العقلية والحركية، ويمتاز بالسرعة والخفة لارتباطه بدوافع الفرد الداخلية، ولا يُتعب صاحبه، وبه تتحول المعلومات إلى جزء من الحياة.»

وتضيف إن «اللعب وسيط لنقل الثقافة إلى جيل الغد، ومن خلال ممارسته يجد الطفل مكانته ويظهر قدراته بين أقرانه، وهو مهم جدًا لبلورة الهوية الذاتية.. ويشكل أداة وقناة مهمتين لاحتواء الأزمات النفسية للطفل.»

اللعب سلوك فطري في حياة الطفل يؤثر بجدية في توازنه الانفعالي، ويُعد إشباع حاجة الطفل للعب أمرًا تربويًا ونفسيًا وعقليًا؛ سواء في المنزل مع الأسرة أو في الحضانة والروضة أو في المدرسة.

ويساعد اللعب كذلك على تهذيب الغرائز العدوانية لدى الأطفال، وهو من متطلبات النمو الضرورية، ومتنفسًا بالغ الأهمية لطاقاتهم، ويساهم في امتصاص انفعالاتهم وتخفيف توتراتهم النفسية والاجتماعية.

ويرى عالم النفس والفيلسوف السويسري جان بياجيه، أن «اللعب مؤشر مهم على نمو الطفل ونضجه، وهو أساسي وضروري لعملية النمو بجميع إشكالها وجوانبها العقلية والاجتماعية والانفعالية والجسمية والجنسية والوجدانية.»

ويشير بياجيه -وهو مُطوِّر نظرية التطور المعرفي عند الأطفال- إلى أن «اللعب هو أساس النمو العقلي وتطوره، ودونه لا يحدث النمو العقلي ولا يتطور.»

يكاد يجُمع العلماء والتربويون على ضرورة ترك الطفل على سجيته؛ دعه يلعب، دعه يُجرِّب، دعه يُخرِّب، إنها بذور الفضول والاستكشاف، مهما كانت تكلفة ذلك، حتى لو حُرمت من نظافة بيتك وترتيبه، وهذا بالتحديد مضمون رؤية عميد جامعة هارفورد الأمريكية، التي نقلها تايسون؛ ومفادها باختصار: «إذا كنت تظن أن تكلفة التعليم عالية، فعليك أن تجرب تكلفة الجهل

Catégories :New

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :